السيد محمد تقي المدرسي
278
من هدى القرآن
[ 48 ] ويبدو أن جماعة من قوم صالح كانت قد آمنت به ، وكاد الإيمان ينتشر بين عامة الناس لولا منع أشرار ثمود عن ذلك . وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وكان في المدينة تسعة شيوخ عشائر تسعى للإفساد ولا تصلح ؟ إن النظام القبلي إطار للمجتمع البشري وهو بذاته ليس مضرا ، إنما القوانين والأعراف التي فيه - والتي تعكس روحه ووجهته - هي التي قد تفسد وتفسد ، ويبدو أن قبائل ثمود قد بلغت هذا الدرك الأسفل ، وإذا فسد النظام بدأت نهاية المدينة ، فإذا تحول النظام الذي أنشئ من أجل حماية الحقوق ، ومنع الترهل ، والمحافظة على القيم الحضارية إلى أداة للفساد ، والاعتداء ، والتجاوز فإن نهايته قد اقتربت . [ 49 ] قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ حين تآمروا على قتله أقسموا بالله على ذلك ، ولعل هذا يدل على أنهم كانوا يستخدمون الدين - أيضا - وسيلة لعدوانهم وفسادهم . لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ أي قرروا أن يذهبوا إلى داره ليلا فيقتلوه وأهله . ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ وبعد ذلك يقولون لقبيلته : إنهم لم يروا قتله ، ويؤكدون أنهم صادقون فيما يقولون . [ 50 ] وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وحينما كانوا يخططون ، كان الله سبحانه قد دبر لهم أمرا . إن الله يعلم ما في نفس الإنسان ، بينما هو لا يعلم ما في نفسه سبحانه ، ولا بد أن يخضع لربه شاء أم أبى . [ 51 ] فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ فقد أنهوا ولم يستفيدوا من الفرصة . أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ لماذا دمرهم الله وقومهم ؟ لماذا استحق قومهم العذاب ؟ والجواب : لأنهم رضوا بالكفر وسكتوا ، ولم يتحدوا أو يثوروا ضده ، فحينما جاء العذاب شملهم أجمعين ، وكما قال الله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ الأنفال : 25 ] فإذا جاء العذاب فإنه لا يشمل الكفار فقط وإنما من سكتوا عنهم ، ورضوا بأعمالهم أيضا ، وهكذا أيضا حال من يسكت - اليوم - عن ظلم الطغاة والمفسدين . [ 52 ] فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا كان أهل الجزيرة عادة ما يذهبون